شريط وارث
الأسرار بين انبثاق الذاكرة وانعتاق الهوية
في العرض العالمي الأول
بمهرجان «سينمانيا» مونتريال، الممتد بين الرابع والسادس عشرمن نونبر ..2025 تهادى
على الشاشة فيلم المخرج المغربي محمد نظيف، كأنّه اعتراف طويل طال صمته.
فيلم «وارث الأسرار» ليس
مجرّد حكاية عن الجسد أو التحوّل الجنسي، بل هو تأمل في هشاشة الإنسان حين يُحاصر
بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.
مستوحًى من رواية
الكاتبة المغربية فاتحة مرشيد «انعتاق الرغبة»، يرسم الفيلمُ خيوطًا دقيقة بين
الهوية والجسد، بين الذاكرة والصمت، بين الوطن والمنفى.
محمد نظيف لا يصوّر فقط
شخصياته، بل يصغي إلى أنفاسها، إلى خوفها من الضوء، وإلى رغبتها في أن تُرى كما
هي، بلا أقنعة ولا أحكام.
من المغرب إلى كندا…
طريق المنفى المزدوج
تبدأ القصة في بيتٍ
مغربيٍّ تقليديٍّ حيث يتلقّى الدكتور فريد رسالة من مونتريال، رسالة تحمل في
طيّاتها سرًّا يبدّل مجرى الحكاية والعائلة معًا.
منذ تلك اللحظة، تنفتح
مسافات طويلة بين الأجيال، وتغدو الذاكرة جسرًا مكسورًا بين من بقي ومن رحل.
تتنقّل الكاميرا بين
الدار البيضاء وثلوج اللورانتييد الكندية، كأنّها ترسم خريطة الحنين والهروب في آن.
كلّ مشهد في الفيلم رحلة
في داخل الإنسان أكثر من كونها سفرًا في المكان؛ كلّ لقطة تحاول أن تقول ما لم
يُقَل، وما عجزت اللغة عن حمله.
سينما الهمس والسكوت
لا يصرخ فيلم «وارث
الأسرار»، بل يهمس.
يتحدّث عن الأسرار بصوت
خافت، عن الجرح الذي لا يندمل لأنّ أحدًا لم يسمّه.
الإضاءة خافتة، الموسيقى
قليلة، لكنّ الصمت نفسه يصير لغة.
يشبه هذا الفيلم سينما
الكلمات المضمومة على الشفاه، حيث كلّ حركة تقول أكثر مما يُقال.
فيه أثر من سكون الموج
في أفلام دينيس كوتيه، ودفء من حميمية لويز أرشامبو، لكن بطعم مغربيٍّ مغموس في
التوابل والذاكرة.
إنتاج عابر للحدود
هو عمل مشترك بين المغرب
وكندا وفرنسا، يجمع ممثلين من ضفّتين، وأمزجة من ثقافتين.
:
يقول محمد نظيف في أحد
لقاءاته الصحفية أردت أن أحكي كيف تعبر الأسرار المحيطات، وكيف
تصرّ على الظهور، ولو بعد جيلين
من الصمت.»
الفيلم ليس مجرّد اقتباس
من رواية، بل ترجمة بصرية للشوق إلى الذات، للحق في أن نكون كما نحن، بلا خوف من
المجتمع أو التاريخ.
صدى في المجتمع الكندي
بقاعة " سينما
المتحف" مونتريال، لم يمرّ العرض بصمت.
تبادل الحضورُ نظرات
طويلة بعد النهاية، وكأنّ الفيلم لامس فيهم شيئًا خفيًا — ذلك الشعور بالاغتراب
حتى وسط المدينة، والرغبة في مصالحة الجسد مع الذاكرة.
قالت إحدى المتفرجات:
«هذا الفيلم ليس عن المغرب فقط، بل عن كلّ من يعيش بجسدٍ لا يشبه روحه.»
هكذا يجد «وارث الأسرار»
مكانه في الحوار الثقافي الكندي: فيلم عن الهويّة الجنسية المزدوجة، عن اللغة التي
تضيع حين نحاول أن نترجم القلب.
في النهاية، يخرج
المشاهد من القاعة مثقلاً بالأسئلة، لا بالإجابات.
لأنّ «وارث الأسرار» لا
يقدّم الحلول، بل يفتح الأبواب المغلقة منذ الطفولة.
إنه فيلم عن الإنسان حين
يرث صمتَ أسلافه، ويحاول أن يكسره بالصدق والحنين.
فيلم لا يصرخ، بل يتنفّس
ببطء…
وفي أنفاسه يختبئ الشعر،
وتنبض الحكاية.
إرسال تعليق