الصحراوي

قصة سعيد الزاكوري

 

بين قصة سعيد من أكدز وجون كافي في فيلم "الطريق الأخضر" 

وأنا أقرأ كل ما كتبه لي سعيد، شاب من قدماء تلامذتي بأكدز، إقليم زاكورة، تراءت  لي مشاهد من فيلم " الطريق الأخضر" : the green mile  للمخرج الأمريكي : فرانك دارانبو وبطولة طوم هانكس ومايكل كلارك دانكان..

 يعبر الممر الأخضر في السجن عن رمزللانتظار الطويل والأمل المعلق والظلم الذي يرافق الأبرياء والمجرمين حتى النهاية. في الفيلم، كان الممر الأخضر هو الطريق الذي يسلكه السجناء نحو مصيرهم، أحيانًا ظلمًا، وأحيانًا دون أن يسمع أحد صوت براءتهم. كذلك، في قصة سعيد، يتحول السجن إلى طريق أخضر لا ينتهي، طريق يمر فيه الأبرياء بأقدام ثقيلة، وترافقهم ظلال الظلم والخذلان، ويصبح الأمل في العدالة مجرد وهم بعيد.

سعيد، مثل شخصية جون كافي داخل الفيلم، لم يكن مجرمًا، بل ضحية شهادة زور ونظام قضائي لم ينصفه. عاش سنوات من الألم، فقد خلالها والده كمداً، وخرج ليجد العالم قد تغير، والحرية التي انتظرها أصبحت غربة جديدة.

الطريق الأخضر هنا ليس طريقًا نحو النهاية فقط، بل هو ممر طويل من المعاناة، يرافق ضحاياه حتى بعد خروجهم من السجن، ويذكرهم بأن العدالة ليست دائمًا العدالة، وأن بعض الطرق قد تمتد أطول من العمر.

تبدأ قصة سعيد بمدينة فاس، حيث كان الليل يهبط على المدينة ببطء يشبه سقوط ورقة يابسة من شجرة منهكة. في تلك الليلة البعيدة من شتاء 2016، خرج سعيد مع أصدقائه الزاكوريين الخمسة ليشتروا علبة سجائر. خطوة صغيرة لا تستحق الذكر، لكنها كانت الشرارة التي ستفتح بوابة من الظلام تمتد لعشر سنوات كاملة.




كان سعيد شابًا بسيطًا من الجنوب الشرقي، ابن بلدة أكدز بإقليم زاكورة، يحمل في قلبه حلم أهل الفقراء بأن يصبح أول جامعي في العائلة.

وثق سعيد في العالم، وظن أنه إذا سار باستقامة، فستسير الحياة بجانبه. لم يكن يعرف أن بعض الطرق في هذا البلد تُرسم مسبقًا، وأن من يقع فيها لا يخرج كما كان من قبل.

على الطريق الفاصل بين بيت الأصدقاء والحي المجاور، ظهرت دراجات الشرطة. أضواء زرقاء اخترقت الصمت. نزل ستة رجال بعجلة، كمن وجد غنيمة ضائعة.
فجأة، ظهر رجل غريب، خطواته مترددة، أشار بإصبعه كما لو أراد التخلص من عبءٍ فوق كتفيه :  " هوما هادو أ الشاف" ثم توقفت الحياة عند تلك الجملة.

هكذا، دون دم، دون سكين، دون شاهدٍ إتباث، تحولت لحظة بريئة إلى بداية جرحٍ لن يندمل. أبدأ

داخل الكوميسارية، لم يكن التحقيق بحثًا عن الحقيقة، بل عن الاعتراف.كان صوت الصفعات أعلى من الأسئلة، والشتائم أطول من المحاضر.ومع ذلك، بقي سعيد متمسكًا ببراءته. كان يؤمن أن الحقيقة مثل الشمس، لا بد أن تشرق مهما طال الليل.لكن الحقيقة لم تكن شمسًا تلك المرة.كانت مجرد شمعة صغيرة وسط عاصفة كبيرة.دخل سجن الأوداية بوجه طفلٍ لم يعرف من الحياة سوى الكتب والطموح ليخرج بعد عشر سنوات بوجه رجلٍ رأى ما لا يليق أن يراه أحد.
كان السجن طريقًا طويلًا...طريقًا أخضر، لا لأنه جميل، بل لأنه يشبه طريق الإعدام البطيء: ممر ضيق، خطوات ثقيلة، ووجوه منهكة تنتظر مصائرها.كان سعيد يسير فيه كل يوم، لا يرى نهايته .وخلال إحدى الجلسات، واجه سعيد الرجل الذي اتهمه "الشيباني." نظر إليه طويلاً، بحث في عينيه عن ذرة إنصاف.قال له القاضي :
"ارفع يديك واقسم... قل الحق!" فرفع الرجل يده، وأقسم كاذبًا.كان القسم مطرقة تهوي على روح سعيد.ذلك القسم وحده كان كافيًا لإغلاق الملف: عشر سنوات سجنًا.

في العام الخامس من سجنه، مات والد سعيد.لم يمت مرضًا... بل كمداً.كما لو أن قلبه رفض أن يستمر في الخفقان بينما ابنه يذبل خلف القضبان.في كل زيارة، كانت والدته تضع يدها على زجاج الزيارة وتقول:"غادي يجي نهار وترجع ليا.."لكن النهار كان يتأخر، كما لو أن الزمن نفسه يتواطأ.

حين خرج سعيد في فبراير 2024، لم يجد العالم كما تركه.الشمس صارت أقسى، الناس أسرع، والأبواب كلها ضيقة.الحرية التي انتظرها عقدًا كاملًا بدت كغربة جديدة.

قال لي في آخر رسالة: "أنا ماشي مجرم... أنا ضحية ديال الزمان. راه المغرب صعيب بلا سوابق، فبالك باللي عندو سوابق»

كان يمشي في شوارع زاكورة كأن كل خطوة تُذكّره بالممر الأخضر الذي لم يغادره بعد.  يحاول أن يبدأ من جديد، أن يجد عملاً، أن يسافر، أن ينسى...لكن الطريق الأخضر لا يغادر ضحاياه بسهولة. يرافقهم مثل ظل طويل، يذكرهم بأن العدالة ليست دائمًا العدالة، وأن بعض الطرق قد تمتد أطول من العمر.




 




 

إرسال تعليق

إرسال تعليق