الصوم، رمضان، الفصل 222، التعايش

كرامة المواطن فوق قداسة الفصل 222




عندما يسخر "هاشم البسطاوي"* من المفطرين في رمضان متشفّياً، فهو لا يخدم الإسلام، بل يسيء إليه.
لا يسيء فقط إلى صورة المتدينين، بل إلى الإسلام المغربي نفسه؛ ذلك الإسلام الذي طالما قُدِّم باعتباره نموذجاً للتعايش والتعدد، والذي يُقرّ فيه الشرع والدستور بحرية المعتقد، وتكفل فيه الدولة ممارسة الشعائر لغير المسلمين.

بالمغرب، يمارس اليهود شعائرهم وطقوسهم بحرية، كما يفعل المسيحيون، سواء المقيمون بشكل دائم أو مهاجرو جنوب الصحراء العابرون. الكنائس قائمة في الرباط والدار البيضاء وطنجة وفاس ومكناس وغيرها من المدن، بل حتى في بعض القرى النائية.
وما تزال كنيسة Notre Dame de l’Atlas بقرية تعكيت في ميدلت شاهدة على رحابة مغرب احتضن رهباناً فرّوا من الجزائر في بدايات القرن العشرين، فوجدوا بين ساكنة الأطلس حماية وأمناً ومجالاً لممارسة شعائرهم، بل والمساهمة في التعليم والصحة والدعم الاجتماعي.

إذا كانت الدولة المغربية قد جعلت من التعايش بين الأديان شعاراً مؤكداً بالممارسة، فكيف تُبرَّر في المقابل معاقبة مواطنين مسلمين أو غير مسلمين على الإفطار العلني في رمضان؟
كيف يُقبل أن يبقى الفصل 222 من القانون الجنائي سيفاً مصلتاً على رقاب غير الصائمين، أياً كانت أسبابهم؟

غير الصائم قد يكون مريضاً أو سليماً، متديناً أو لا دينياً.
قد يكون طالباً جائعاً بعد حصة رياضة، أو عاملاً مرهقاً تحت شمس حارقة.
قد يكون كاتباً أو صحافياً يشتهي قهوته الصباحية في مقهاه المعتاد.
قد تكون امرأة حائضاً أو نفساء، أو معنّفة من زوجها أو أبيها، تبحث فقط عن لحظة هدوء تحت شجرة أو أمام البحر، لتشرب عصيراً يخفف اضطراب جسدها واحتراق أعصابها.

قد يكون شاباً عاطلاً، مثقلاً بالاكتئاب، يحاول أن يبتلع مرارته بسيجارة ينفث معها اختناق عيشه.
قد تكون سيدة خمسينية من آسفي، فقدت زوجها وأطفالها في حادث مأساوي، وتهدّم بيتها، وأصابها رعب مزمن جعلها أسيرة أدوية مهدئة، لا تطلب سوى قنينة ماء وحفنة أقراص تسكت هواجسها القاتلة.

قد يكون طفلاً في الرابعة عشرة، بجسدٍ يتغير قبل أن ينضج وعيه، لا يزال أقصى حلمه سندويتش بعد حصة الرياضة أو مشروباً بارداً وسط ضحكات أصدقائه.
وقد تكون طفلة في الثانية عشرة، باغتها جسدها بالبلوغ قبل أن تستوعب معناه، وما تزال روحها تركض خلف الحلوى والمثلجات، بينما يُطلب منها فجأة أن تتحمّل تكاليف الكبار.

فهل هؤلاء جميعاً أقل قيمة من غيرهم؟
هل تُقاس المواطنة بدرجة الصيام؟
وهل يصبح الامتناع عن الأكل في الفضاء العام معياراً للفضيلة، بينما الرحمة والحرية والتعايش تُهمَّش باسم “حماية الشعور الديني”؟

إن الإيمان الحقيقي لا يحتاج إلى شرطي.
والفضيلة لا تُفرض بقانون جنائي.
والدين، حين يتحول إلى أداة زجر، يفقد جوهره الأخلاقي ويصير مجرد انضباط اجتماعي قسري.

قد يبدو الجمع بين كلمتي “الإسلام” و“الديمقراطية” مبالغاً فيه عند البعض، لكن ملايين المسلمين في العالم يعيشون إيمانهم ضمن أنظمة تحترم الحريات الفردية. وقد رأينا كيف احتفى مسلمو العالم بخطاب عمدة نيويورك المسلم المنتخب ديمقراطياً، باعتباره نموذجاً لمسلم يعيش إيمانه في فضاء حر، لا في فضاء قسري.

إن قوة الإسلام المغربي لم تكن يوماً في التضييق، بل في قدرته على التعايش.
ولم يكن مجده في المعاقبة، بل في الاحتضان.

أوجّه كلمتي الأخيرة إلى الملك محمد السادس، بصفته أمير المؤمنين وضامناً لحرية المعتقد كما نص الدستور:

لقد حان الوقت لإلغاء الفصل 222 من القانون الجنائي، وكل الفصول الأخرى السالبة للحرية باسم الدين.
ليس انتصاراً للمفطرين، بل انتصاراً لسمعة الإسلام المغربي، ولروح الدستور، ولمبدأ المواطنة المتساوية.

فالدولة القوية لا تخاف من حرية أفرادها،
والدين الواثق لا يحتاج إلى قانون يحميه من قنينة ماء.

* هاشم البسطاوي : ممثل سابق معتزل، ابن أسرة فنية معروفة بالمغرب، اعتزل التمثيل مؤخرا والتحق بإحدى الجماعات الإسلامية السلفية بالمغرب

 

 


إرسال تعليق

إرسال تعليق