التجانية: حين تصنع الروح ما عجزت عنه السياسة بين المغرب والسنغال


ليست العلاقات بين المغرب والسنغال مجرد علاقات دبلوماسية أو مصالح اقتصادية عابرة، بل تقوم في عمقها على نسيج روحي قديم نسجته الطريقة التجانية منذ قرون، وجعل من الدين جسرًا دائمًا بين شمال إفريقيا وغربها.

قبل قيام الدول الحديثة والحدود المصطنعة، كانت الهجرة في الساحل حركة علمٍ ودينٍ وتصوف، وكان المتصوفة هم صُنّاع المجال العابر للحدود. وفي هذا السياق، لم تكن التجانية مجرد طريقة روحية، بل شبكة اجتماعية وروحية تنظّم التنقل، وتؤطر الانتماء، وتحفظ الاستمرارية.

تمثل فاس القلب الرمزي لهذا الامتداد، بوجود زاوية وضريح مؤسس الطريقة. فبالنسبة لآلاف السنغاليين، فاس ليست مدينة مغربية فقط، بل قبلة روحية، ومرجع للبركة والشرعية الصوفية. والزيارات السنوية التي يقوم بها المريدون ليست طقوسًا سياحية، بل إعادة ربط للفرع بالأصل، وللجنوب بالشمال، وللهامش بالمركز.



غير أن العلاقة بين المغرب والسنغال داخل التجانية ليست علاقة تبعية، بل علاقة تفاعل حيّ. فالسنغال طوّرت تجانيتها الخاصة، ووسّعت انتشارها، ومنحتها زخمًا اجتماعيًا وشعبيًا هائلًا، بينما حافظ المغرب على دوره كمرجعية تاريخية وروحية.


في زمن الهجرة والاغتراب، لعبت الزوايا والتجمعات التجانية في المهجر دورًا أساسيًا في حماية الهوية الدينية للمهاجرين السنغاليين، وتوفير شبكة أمان اجتماعي وروحي، في مواجهة العزلة أو التيارات الدينية المتشددة. وهنا يتحول التصوف إلى قوة ناعمة، وإلى أداة استقرار تتجاوز خطاب الدولة.


اليوم، ومع وسائل الاتصال الحديثة، لم تعد فاس بعيدة، ولم يعد الشيخ غائبًا، بل أصبحت العلاقة الروحية مستمرة وحاضرة، عابرة للقارات، تؤكد أن ما يجمع المغرب والسنغال أعمق من السياسة: إنه انتماء روحي مشترك، ما زال حيًا، فاعلًا، ومؤثرًا.


التجانية ليست ماضيًا يُستحضر، بل حاضرًا يُعاد إنتاجه… وروحًا تسبق الجغرافيا.


إرسال تعليق

إرسال تعليق