طالما اعتقدت أن الأم أهم وأسبق وأقدس من كل الآلهة
حتى حين بدأت أتعرض لحصار جسدي الصغير النحيل البريء من طرف أخي الذي يكبرني فقط بسنتين، لم أكن قادرة على فهم كيف لاتستطيع أمي- الإلهة الدفاع عني وحمايتي والاعتناء بي وإبعاد يدي أخي عني لتضربني وقدميه لترفسني وفمه ليسبني وينعتني بأقدح النعوت..
كانت أمي أهم من أبي، بالنسبة لي، يعتقد الجميع، غالبا، أننا كفتيات نصير معجبات بآباءنا بينما يتعلق الذكور بأمهاتهم، ذاك ماحكته أسطورة أوديب وإلكترا واعتمده فرويد في تحليله النفسي، إلا أن أمي كانت هي أسطورتي، كنت أحبها بشغف وأخاف منها بلا سبب، أطيعها بلا جدال وأتشوق للمسة يديها فوق شعري وهي تمشطه وخدي وهي تلمسه وطراوة جلدها على جلدي وهي ترعاني في مرضي أو تغسل جسمي وتدعكه بالخرقة والصابون، كنت أمتثل لكل أوامرها ونواهيها، أقوم بكل أشغال البيت، قبل المدرسة وبعدها، أكنس، أغسل، أصبن، أعجن، أطبخ، أحمل الخبز للفران الشعبي وأعود لتسلمه، أتسخّر بحوانيت الحيّ وأسواقه في الصباح الباكر ونهايات الأسبوع، أسقي الأصص فوق السطح، أنظف غرفة أخي، أغسل بالفرشاة السميكة ومسحوق " تيد" بلوزات والدي الميكانيكي، أعتني بإخوتي الرضع، أحملهم واحدا فوق ظهري الضامر بينما أحفظ دروسي أو أحرس البيت بعد ذهاب والدتي وجدتي لأعراس الجيران أو لأداء " الصواب" في الأفراح والأحزان العائلية..
كل هذا لم يشفع لي عند أمي-إلهتي، لتكون لي مأمنا وملجأ من بطش أخي المتطرف، تركته يعذب روحي وجسدي ونفسي ويعبث بطفولتي وأحلامي وطمأنينتي لأنها كان يتهمها بالكفر إن هي حاولت الدفاع عني..
وحين بلغت الخمسين، تسلمت أختي مشعل التطرف والعنف والراديكالية الإسلامية من أخي، هجمت عليّ ببيتي رفقة زوجها، اعتدوا عليّ بالضرب والعض والرفس واللكم، بنفس الهمجية والوحشية التي كان يقوم بها أخي ونحن صغار، باسم الجهاد ومحاربة كفري وإلحادي وعريي وتبرجي ووقاحتي وكتاباتي وحريتي، قامت أمي لم تعد إلهتي، بالشهادة ضدي عند الدرك الملكي ، متهمة إياي بالكفر والعهر وإغضاب أختي وتلطيخ سمعة وشرف عائلتي..
أكتب هذا، وأنا أستمع، للمرة الخامسة، لتسجيل صوتي على الواتساب لرسالة من أمي وصلتني قبل أيام، تعاتبني لم لاأجيب بسرعة على رسائلها ولا أمدها بأخباري ولاأسأل عنها، كما تفعل جميع البنات مع أمهاتهن..

إرسال تعليق