المغرب، يوميات لاجئة مغربية، الشغل، الكبيك، ، اللجوء، كندا، الحجاب، أخي، الجماعات الإسلامية، المغرب،
يوميات لاجئة مغربية كند ا: جذور قطيعة مع الإسلام !
0
تعليقات
لكي أحكي كيف أصبحتُ لاجئة بكندا، عليّ أن أعود إلى الوراء. بعيدًا جدًا في الزمن. إلى تلك المراهقة التي كنتُها في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، في حيٍّ شعبي من أحياء الرباط.
عندما يتقدّم شخص ما بطلب اللجوء، يُطلب منه أن يروي قصته بكل تفاصيلها الدقيقة. أن يضع كلمات على الجراح، وعلى الصمت، وعلى التناقضات. وهكذا أدركتُ أن اللجوء/المنفى لا يبدأ عند حدود بلدٍ ما، بل يبدأ قبل ذلك بكثير في الشقوق النفسية الخفية لسنوات المراهقة.
لم أكن أنا من قررتُ ارتداء الحجاب، بل فُرض عليّ من طرف «أخي المسلم». في تلك الفترة، لم يكن الحجاب قاعدة اجتماعية ولا ظاهرة منتشرة. في ثانويتي غير المختلطة بحي يعقوب المنصور، كنتُ التلميذة الوحيدة المحجبة في فصلي. إضافة لجماعة صغيرة جدأ لايتجاوز عددها عشر تلميذات داخل ثانوية حليمة السعدية للبنات، كان مظهري يسبقني. كان يعرّف بي قبل أن أنطق بكلمة. يصمني، كنتُ مختلفة. مراقَبة. مرفوضة أحيانًا. ومساءً فهمي غالبًا، بل كان هناك من الجارات والجيران من يبصق في طريقي وأنا مارة نحو مدرستي لاعنا إياي بعبارة : " تفوووو إخواننا المجرمين"
كان المغرب بلدًا مسلمًا، نعم. وكنا جميعًا مسلمين. لكن الدين لم يكن قد تحوّل بعد إلى حقلٍ إيديولوجي منظم، نضالي، ومؤطر. بدأت التأثيرات القادمة من مصر وإيران و العربية السعودية تتسلل إلى العقول. كانت ملامح تدين جديد تتشكل — أكثر تسييسًا وراديكالية وأكثر عقائدية وسلفية. تشكّلت الدوائر، وانتشرت الجماعات والخطابات، وبدأت عمليات الاستقطاب، خصوصًا بالمدارس الثانوية والجامعات والمدارس العليا والمساجد.
أما أنا، ففي خضمّ ذلك كله، كنت تلميذة مجتهدة، شغوفة باللغات، بالأدب، وبالكتابة. كانت العربية والفرنسية ملاذي. وكانت الكلمات أرضي الوحيدة للحرية.
في عام 1983، عُلّقت صورتي على لوحة الشرف في الثانوية. تلميذة محجبة نجيبة ومتفوقة وسط وجوه فتيات منشرحات بشعور منسدلة. كان ذلك التباين يعبّر مبكرًا عن اختلافي وعزلتي ووحدتي، . كانت المديرة السيدة جسوس، المناضلة الاستقلالية، تدعمني ولاتحكم على مظهري، ترى فيّ التلميذة الجادة المجتهدة، لا الرمز الذي أراد البعض أن يحصرني فيه.
ثم جاء الحدث الذي، دون أن أدرك حينها، سيُحدث صدعًا وشرخاً نفسياً عميقًا بداخلي.
بقسم الخامسة ثانوي، خلال حصة التعبير الكتابي الأسبوعية، كتبتُ موضوعًا أشدتُ فيه بالإصلاحات الاجتماعية لجمال عبد الناصر. تحدثتُ عن المساواة، عن العدالة الاجتماعية، عن التأميم. كتبتُ بصدق، وبقناعة فكرية، دون حسابات إيديولوجية، حسب موضوع الإنشاء : مارأيك في الجمهورية المصرية؟.
منحني الأستاذ نقطة 18 على 20 — وهي نقطة نادرة — وصف إنشائي بأنه أفضل المواضيع التي قرأها في مسيرته المهنية. طلب مني أن أقرأه بصوت عالٍ أمام الفصل. كنتُ أرتجف. لكنني كنتُ فخورة.
لم أكن أعلم أن لحظة التفوق تلك ستتحول إلى تهمة.
فبالنسبة لأولئك اللواتي كنّ ينشطن في الدوائر الإسلامية، كان عبد الناصر يمثل العدو: من حارب الإخوان المسلمين، من سجنهم، ونفاهم، وأسكت أصواتهم.
تم استدعائي للجلسة الأسبوعية مع إحضار ورقة الإنشاء. لم يكن الأمر نقاشًا. بل كان استجوابًا بوليسيا ومحاكمة أخلاقيًا.
«هل تعلمين، يا أختي المسلمة، ماذا فعلتِ؟»
«كيف تدافعين عن نظام كافر و قمعي؟»
«هل تدركين خطورة ما كتبتِه وأنت عضوة الشبيبة الإسلامية؟»
في ذلك اليوم، اكتشفتُ العنف المبطن في الخطاب الناعم للتأطير الفكري. الطريقة التي تصبح بها الفكرة موضع شبهة عندما تخرج عن الإطار. صدمتُ بالكيفية التي يُعاد بها استدعاؤك إلى الصف وإلى الخضوع لعقلية القطيع وإلغاء العقل وحرية التفكير والتعبير باسم الإيمان وباسم الإسلام.
ربما كان ذلك أول صدعٍ إلى جانب شروخ أخرى، بدأت تصيب روحي الصغيرة البريئة بسبب العنف الجسدي الذي كان يمارسه أخي عليّ بالبيت، بين ما كان يُنتظر مني أن أكونه — وما كنتُ أشعر، في أعماقي، أنه حقيقتي.
هنا واليوم أفهم أن المنفى بدأ هناك.....

إرسال تعليق