أول عمل : مذبحة الدجاج !!
من أفضل ما تعلّمته في فلسفة العمل، هنا في كندا (كيبيك)، تحرّري من عقدة الخوف من فقدان العمل.
فرغم اشتغالي فقط برخصة عمل مفتوحة لكنها مؤقتة، وعدم استقراري في
السكن طيلة شهري نونبر ودجنبر، وضغط إجراءات اللجوء ومواعيدها الكثيرة، ثم سوء
الظروف العامة في بداية شهر فبراير 2020 بسبب الوباء،
اقتصر نشاطي المهني، في البداية، على العمل التطوعي قبل جائحة كورونا.
تطوّعتُ بجمعية
«La Maison de l’Amitié» لتعليم اللغة الفرنسية للقادمين
الجدد من الكبار، وخلال الوباء تطوّعتُ لدى منظمة «Mission Bon Accueil» لتوزيع
المساعدات الغذائية على ساكنة حي «مونتريال-شمال».
استطعتُ تجريب أنواع من الأعمال والمهن لم أتخيّل يومًا، أن أمارسها بالمغرب، بلدي الذي غادرته مكرهة، حيث قضيتُ ثلاثين سنة في
مجال التعليم وحده لا شريك له، دون احتساب التزامي السياسي والحقوقي والنقابي
والتطوعي، والذي هو طبعًا نشاط غير مدرّ للدخل، لكنه مضرّ بالعقل حين يتحوّل إلى
استلاب وابتزاز من طرف قمم السياسة والنضال التي تستغل قواعدها من أجل الترقي
الاجتماعي والانفصال عن المقهورين والقوى الشعبية التي صعدوا فوق ظهورها نحو
مناصبهم.
في نهاية غشت 2020، ابتدأت المغامرة. ذهبتُ، ككل القادمين الجدد،
خصوصًا من طالبي اللجوء، إلى وكالة توظيف (Agence de placement). ملأتُ
الاستمارات ووضعتُ الأوراق المطلوبة. كان الأجر ستة عشر دولارًا للساعة من أجل
تنظيف الدجاج بأحد المذابح البعيدة عن مدينتي بأربع ساعات، مع توفير النقل.
الانطلاقة على الساعة الرابعة صباحًا، نهاية العمل على الساعة الثانية بعد الزوال،
والتوصيل نحو محطة مترو «سان ميشال».
كنتُ متحمّسة جدًا، أعددتُ وجبتي فطوري وغدائي، وعبّأتُ حقيبة الظهر، رفيقة العمال والمياومين ومرتادي الحافلات والميتروهات، عمال دوام الصباح كما المساء أو الليل. يبدو الناس هنا وكأن حقائب ظهورهم أصبحت جزءًا من أجسادهم. يذكّرني المشهد بسلسلة «سلاحف النينجا» التي أبدعها الثنائي الأمريكي كيفين إيستمان وبيتر لارد سنة 1984.
كنتُ ضمن خمسة ركاب في السيارة، كلّهم شباب في العشرينات. انطلقت بنا
السيارة الكبيرة ساعتين نحو ضاحية مدينة «درومونفيل». كان الجميع نائمين في
السيارة سواي والسائق. وصلنا حوالي السادسة والنصف. استقبلتني المشرفة، لأني كنتُ
العاملة الجديدة الوحيدة. دعتني إلى وضع أغراضي الشخصية في أحد الرفوف المخصّصة
للعمال والعاملات. سألتني إن كنتُ قد أحضرتُ حذاء السلامة للعمل، فأجبتها بالنفي.
طمأنتني وقدّمت لي عُدّة العمل بالكامل: وزرة، حذاء سلامة، غطاء رأس، قفازات
مطاطية، وسدّادات أذن. طلبت مني ألّا أرتديها حالًا، وأنه يمكنني ارتشاف قهوة في
انتظار إعدادها لاختبار روتيني تُجريه لكل عاملة أو عامل جديد.
دام الاختبار نصف ساعة. نظرت إليّ المشرفة «كارولين»، وكانت امرأة
تفوقني فقط ببضع سنوات، ثم خاطبتني بابتسامة مشحونة بالشفقة والتعاطف:
- ما
الذي تفعلينه هنا يا سيدتي؟
- لماذا هل رسبت في الاختبار؟
- بل العكس، أنت فوق هذا الاختبار كله، انظري
النتيجة بنفسك !
أدارت شاشة حاسوبها فوجدت نقط 10/10 كنتيجة....ابتسمت
في وجهها المتحسر وقلت :
- لاعليك
ياكارولين، دعيني أخوض التجربة إنها أحسن من البقاء وحيدة ومعزولة بالبيت،
سيكون هذا أول عمل يدوي لي بعد ثلاثين عاما من التدريس بالمغرب وثمانية عشرة سنة
بالدراسة !!
كان العمل داخل مذبحة الدجاج، لتلك
الصبيحة، أشق وأسرع وأتعب وأشد ضجيجا
للأذن مما تخيلته، لم أقرف من إخراج مصارين وأحشاء الدجاج، تنقية بقايا الريش، فصل
الأجزاء عن بعضها، وضعها داخل الحاويات المخصصة، كل هذا كان عملا معتادا لدي، فقد
نشأت وتربيت داخل أسرة شعبية متوسطة، تعلمت كما تتعلم جميع بنات العائلة والحي كيف
نريش الدجاج بأصابعنا الصغيرة والماء المغلي، كيف ننظفه ونتبله ونطهيه
كل ما أتعبني وأنهكني وقهر طاقة
تحملي هو ضجيج الماكينات، رغم غلاقات الأذنين، لذا، عندما اتصل بي السائق فجر الغد
للذهاب نحو العمل، أخبرته أنني استقلت منه ولن أطالب حتى بأجرة قرابة مئة دولارعن
عمل ذاك اليوم، عدت للنوم في انتظار البحث عن عمل آخر...

إرسال تعليق