الكافرة الصغيرة
إن ما أكتبه هنا، ليس هجومًا، بل تعبير عن الرأي، وهو حق تكفله
القوانين والمواثيق الدولية، التي صادق عليها المغرب، خاصة منذ دستور 2011، وإن
كان التطبيق العملي، للأسف، لا يزال يعرف تناقضات كبيرة.
نعلم جميعًا أن أكثر مجالات التعبير التي تُقمع هي: السياسة
والدين، والجنس. هذه المجالات تُعد من “الطابوهات” في مجتمعاتنا. وفيم
يخص الجسد والجنس، فالقانون الجنائي معروف، ورد فعل المجتمع معروف أيضًا، في ظل
غياب تربية جنسية حقيقية. ويزداد الوصم قسوة حين تكون المتحدثة امرأة.
أما في السياسة، فبلدنا ما زال يعرف خطوطًا حمراء، رغم وجود نصوص
دستورية تضمن حرية التعبير وحرية المعتقد. هناك تناقض صارخ بين بعض القوانين، خاصة
الجنائية، وبين مقتضيات الدستور.
بهذه اليوميات، لن أناقش القوانين أو النصوص الدستورية، بل سأسرد حكايتي
الشخصية:
من أنا؟
لماذا طلبتُ اللجوء بكندا؟
كيف لامرأة مغربية في سن السادسة والخمسين أن تطلب اللجوء؟
من البديهي أن اللجوء ليس هجرة. فالهجرة غالبًا ما تكون في سن مبكرة بدافع
اقتصادي، أو دراسي، أو عائلي، أو شخصي. أما اللجوء، فيكون نتيجة تعرض الشخص لاضطهاد
أو عنف أو تهديد لسلامته الجسدية والنفسية يترتب عنه عدم استقرار وإحساس بانعدام
الأمن والخطر الدائم على حياته وانعدام الحماية من طرف مؤسسات بلده خصوصا حين التجائه
إليها عن طريق وضع شكاية لدى السلطات المختصة.
.
الإنسان، عادة، لا يقرر في هذا العمر أن يهاجر بحثًا عن مغامرة، بل
لأنه لم يعد يشعر بالأمان.
وهنا من الضروري توضيح الفرق بين الهجرة واللجوء.
طالب اللجوء يقدّم ملفه إلى دولة موقعة على اتفاقية جنيف، مثل كندا
والولايات المتحدة ومعظم دول أوروبا. واللجوء قد يكون سياسيًا أو إنسانيًا.
في حالتي، لم يكن اللجوء سياسيًا مباشرًا، لأن الاضطهاد الذي تعرضت له
لم يكن عنفًا مباشرًا من طرف الدولة، بل فشل الدولة في حمايتي في لحظات
مفصلية من حياتي. لذلك كان لجوئي إنسانيًا.
لفهم هذه اللحظة، لا بد من العودة إلى الوراء، إلى التاريخ، لأن
الحاضر لا يُفهم دون الماضي.
وُلدت سنة 1964 في مدينة الرباط، نشأت في حي شعبي هو يعقوب المنصور. والدي
كان حرفيًا بسيطًا، والدتي ربة بيت، شأنها شأن أغلب نساء ذلك الجيل. نشأت في أسرة
متواضعة، من ستة أطفال وجدتي لوالدتي، الثانية في الترتيب وكبرى البنات. جدتين التي
يقال عني أني أشبهها كثيرا، هي أيضا عمة والدتي. التحقت بالكتاب لحفظ القرآن مثل
باقي أطفال ذلك الزمن، ثم بالمدرسة العمومية. عند بلوغي السابعة.
نشأت بمغرب بدايات الاستقلال، إبان مرحلة سياسية مضطربة، حيث كان
التوتر قائمًا بين السلطة والحركات المعارضة، خاصة اليسارية وبقايا الحركة الوطنية.
رغم صغر سني، كنت ألتقط بعض ملامح ذلك الجو السياسي العام: حديث خافت عن
الاعتقالات، عن الخوف، عن الصمت المفروض، عن الثورات...
دراستي الإعدادية كانت تجربة تربوية رائدة وفريدة، بالمغرب كله، إعدادية
الأمل النموذجية الممولة من طرف اليونسكو والمطبقة لمنهاج دراسي مستورد من دولة كندا،
سيتم إلغاؤه لاحقًا بعد التحاقي بالثانوي. بإعدادية الأمل، بدأ تشكل وعيي، من خلال
الأساتذة والتلاميذ الأكبر سنًا، من خلال أحداث اجتماعية وسياسية كبرى، خاصة
إضرابات أواخر السبعينيات، تليها نقاشات وكتابات على الجدران ومناشير توزع على
التلاميذ.
في سنة 1979، التي عرفت "الثورة الإيرانية" وتأسيس عدد من
التنظيمات السياسية والنقابية والجمعوية بعضها موال لجماعة الإخوان المسلمين
بالمغرب والبعض الأخر لإيران.
ضمن هذه الظرفية الإقليمية، بدأت
الجماعات الإسلامية في الظهور داخل الأحياء الشعبية ومنها حينا يعقوب المنصور. إنها
تلك المرحلة المشؤومة حين استُقطب أخي الأكبر من طرف هذه الجماعات وسرقت منه
طفولته وشبابه وبراءته، لتخيم ظلال التطرف الديني والفكر الظلامي الرجعي ويستشرى
ضلاله في أوصال بيتنا وأسرتنا على يدي أخي
الأكبر.
كنت فتاة هادئة، متفوقة دراسيًا، غير متمردة، أعيش بين المدرسة
والبيت، وأتحمل مسؤولية شغل البيت وتربية إخوتي الصغار إلى جانب والدتي وجدتي رغم سني
المبكرة وبنيتي الجسدية النحيفة. أصبحتُ الهدف الأول لتطبيق أفكار التشدد: فرض
عليّ أخي الحجاب، مورست عليّ ضغوط نفسية ودينية باسم “الدعوة” والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر الصلاة داخل الأوقات كما خارجها. الاستيقاظ للفجر يوميا، الصيام، خدمة أخي
وزواره من "إخوة"، صادر أخي كتبي ورواياتي وأحرقها وأرغمني على حفظ القرأن
والأحاديث النبوية وكتب الدعاة والشيوخ وكتب الفقه، منع عني الموسيقى والتلفزة
والسينما وممارسة الرياضة بالمدرسة والحديث لرفاق الدراسة، حرمني من كل متع
الطفولة والمراهقة البريئة
إن بداية هذا المسار الطويل والموجع من العنف الرمزي والنفسي والجسدي، لأن
أخي كان يضربني بحجة التأديب والتقويم، سيترك أثره العميق في حياتي النفسية
والاجتماعية، وسيقودني، عند وصولي لسن التاسعة عشر، للتمرد والثورة، سوف أكفر بكل
الدين، أتخلص من ربقته وقيوده، نزعت الحجاب وأنا بقسم الباكالوريا ونحن ندرس بنفس
الثانوية، لم يكن عدد الفتيات المحجبات سوى اثنتين : أنا وصديقتي حفيظة، جن جنون
أخي، عنفني، اعتدى علي بالضرب، هددني بالبيت والشارع، لم تحمني منه والدتي ولا والدي
أوقفه عن إيذائي، وحدها إرادتي وإصراري أسقطت رجعيته وبطشه أرضا ولم يعد قادرا على
إخضاعي واسترجاعي لحظيرة الجماعات الإسلامية.

معرفتش علاش الآباء مكيحميوش طفلاتهم من بطش الكلاب اللي رباو
ردحذفانت ضحية معتقدات وتقاليد مجتمعي قطيعي
ردحذفولايزال كذلك ...لكن هذه السنوات الأخيرة لاحظت غالبية النساء يمزقن شرنقة المعتقدات البالية